أبشر ..
فرحمة الله واسعة
كنت مسافراً إلى دولة عربية ليوم واحد في مهمة, وقبل عودتي للمطار بيوم بحثت عن فندق مناسب لأستريح فيه فلم أجد, ومن ثم دخلت فندقاً لأول مرة أدخل مثله, العري والعهر فيه ظاهر. فإذا برجل يسألني: مالذي جاء بك إلى هنا؟ استغرب شكلي الذي لا يناسب الفندق الذي دخلته.
فقلت: أدور مكان أستريح فيه ومادريت أن هالفندق فيه هالأمور.
فقال لي: اطلع ياشيخ هذا المكان مايناسبك وأمثالك.
فخرجت واتجهت الى حديقة استريح فيها حتى الصبح. وفي الصباح انهيت مهمتي وذهبت إلى المطار للعودة وكلي تعب من الرحلة. فبحثت عن مكان استريح فيه وإذا بزاويه في المطار فيها مصلى صغير, اتجهت إليه ونمت فيه نوما عميقا. استيقضت على صوت بكاء شاب دون الثلاثين يصلي وكأنه فقد زوجته بكاءً لاتبكيه إلا أم فقدت ولدها. عدت للنوم وبعد لحظات أيقضني للصلاة ثم قال: هل تستطيع أن تنام؟!
فقلت: نعم.
فقال: أنا لست قادراً على النوم ولاذقت طعمه.
فقلت: نصلي وبعد الصلاة يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وبعد الصلاة سألته عن أمره فقص علي قصته
فقال: أنا شاب من اسرة غنيه وكل ما اريده مهيء لي من مال وسيارة ولكني مللت الحياة. فخططت ان اسافر خارج البلاد ثم قررت ان اسافر الى دوله لايقصدها اهل بلدي كثيرا حتى لايعرفونني فينفضح امري. وماكان هدفي فير اللعب واللهو وقضاء الوقت. فلما وصلت إذا برفقة السوء تحيط بي وتحفني. فاستأنست بها ورافقتها من لهو إلى لهو ولعب وإضاعة أوقات, وكان الامر في مراحل حتى قربوني من خطوات الزنا مع النساء في السهرات, ومازالوا بي حتى انفردت بعاهرة منهن ومازالت تلاعبني حتى وقعت عليها. وفجأه بعد أن وصل الامر ذروته اذا بحراره في قلبي تلسعني وسياط تقع على صدري . فانتفضت عنها اصيح زنيت واول مره ازني. زنيت واول مره ازني.كيف فعلت الفاحشه وهدمت جدار الحرمه بيني وبين هذا الفعل الشنيع؟ كيف قدمت في غفلة مني لذة في الدنيا على ملذات الاخرة الدائمة؟ اني سأحرم حور الجنة.خرجت باكيا من الباب, فإذا بفاجر من السماسرة الذين غفلت عنهم أمامي, يقول: لماذا تبكي وترتجف؟!
صرخت في وجهه: لقد زنيت, تعرف مامعنى زنيت,انا زنيت.
فقال بكل برود: خذ كأسا من الخمر تنسى ما انت فيه.
فقلت: مازلت بي حتى اوقعتني في الفاحشه وحرمتني حور الجنه وتريد ان تحرمني خمر الجنه بهذا الكأس؟!! فرد ذلك الفاجر بلسان ابليس:ان الله غفور رحيم . وقد نسى ان الله شديد العقاب اعد للمجرمين نار تلظى اذا رأت المجرمين سمعوا لها تغيضا وزفيرا.
ثم اخذت ابكي وابكي من حرقة ما اصابني وفارقت صحبة السوء وهمت على وجهي حتى وصلت الى المطار وحجزت انتظر العودة. واخذ ذلك الشاب يردد علي: ياليتهم سرقوني. ياليتهم اخذوا مالي, ياليتهم نصبوا علي, ياليتهم ما اخذوا ايماني. ومن تلك اللحظه يقول بأنه لم يزل باكياً حزينا على مافعل.
فقلت له: أقرأ عليك آية من القرآن, قال تعالى: "قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم, وانيبوا الى ربكم واسلموا له من قبل ان يأتيكم العذاب ثم لاتنصرون, واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون".
فقال: كل يغفر الله له الا انا.
وأكمل: هل تعلم اني زنيت؟!
ثم سألني: هل زنيت انت؟
فقلت: لا!
فقال: فانت لاتعرف حرارة الذنب التي انا فيها. وماهي الا لحظات واذا بمنادي الرحلة ينذر بالاقلاع. تبادلنا العناويين وارقام الاتصال وانا على يقين بان ندمه سيبقى ليومين او ثلاثة ثم يتلاشى وينسى الامر. وبعد ان وصلت مدينتي وارتحت لايام اذ به يتصل بي, وتواعدنا لنلتقي. وعندما تقابلنا انفجر امامي باكيا..
وقال: والله منذ فعلت فعلتي تلك ومنذ فارقتك ماتلذذت بنومي الا غفوات. ماذا اقول لربي يوم يقول لي عبدي زنيت, وسرت بقدميك الى الزنا؟؟؟
فقلت: ان الله غفور رحيم وان رحمته واسعه لمن تاب وندم. ثم قاطعني.
قائلا: على كل انا ماجئتك زائرا وانما مودعا. فسألته الى اين؟
فقال: اسلم نفسي الى المحكمه واعترف بذنبي واني زنيت.
فقلت: امجنون انت؟ نسيت انك متزوج؟ نسيت ان حد الزاني المتزوج الرجم بالحجارة حتى الموت؟
فقال: ذلك اهون على قلبي من ان ابقى زانيا والقى الله ولم يطهرني بحد الزنا. اني جئتك مودعا لعلي القاك في الجنه ان رحمني الله وادخلني بواسع رحمته.
فقلت: اما تتقي الله؟ استر على نفسك . استر على اسرتك. استر على جماعتك.
قال: كلهم لا ينقذونني من النار. وانا اريد النجاة منها.
فلم اعلم ماذا اقول له.
فقلت: اطلب منك طلبا واحدا؟؟
فقال: اطلب ولك كل شيء الا انك تردني عن الذهاب للمحكمة.
فقلت: ماني طالبك هذا, لكن اريدك ان تعاهدني انك تقبل فيه.
فقال: قبلت.
فقلت: مد يدك ابايعك على ان تعاهدني لتعمل على ذلك وتصبر. فمد يده
وقال: نعم اعاهدك وعاهدني
فقلت: نتصل بالشيخ فلان وهو من اكبر العلماء واتقاهم لله (نحسبه ذلك) حتى نسأله في امرك فان قال سلم نفسك انا اخذك, وان قال لا, فما لك الا ان تطيع’ وسألنا الشيخ؟
فقال: لايسلم نفسه. ويقول الشيخ ان هذا الشاب قد اقلقه بالهاتف واتصل به مرات عديدة يقنعه ان يسلم نفسه ويجادل. فلما قابلته
قلت: لماذا الشيخ بهذه الاتصالات وانا كفيتك.
فقال: احول به يمكن يأمرني او يوافقني.
وكان من كلامه للشيخ اتق الله فاني اتعلق برقبتك يوم القيامه واقول انني اردت ان اسلم نفسي ليقام حد الله علي فردني ذلك الشيخ. فقال الشيخ هذا ما القى الله به وما افتيتك الا عن علم. ثم قال التائب لي: اني اودعك فاني اردت الحج, وكان الحج على الابواب وقتها, فطلبت منه ان نحج معا, فاعتذر وظننته اختار رفقه يحج معهم. فحججت وانا لا اعلم من رفقته وفي ثاني ايام التشريق رايته من بعيد وكان اسمه احمد فقلت يا احمد, فالتفت فرآني ثم ولى هاربا. فقلت: سبحان الله مالذي غير قلبه علي لعلي اراه بعد الحج. فلما انتهى الحج وعدنا قابلته فسألته.
فقال: لقد حججت وحدي وتنقلت بين المشاعر ماشيا لعل الله ينظر الي ذاهبا من منى الى عرفه او واقفا في عرفه او في احد مواطن الحج فيرحمني.
فسألته: لماذا هربت مني يوم ناديتك ثاني ايام التشريق؟
فقال: كنت مشغولا بالاستغفار من الشأن اللذي فعلت.
فقلت: هلا جئت معنا.
فقال: انا اجلس معكم انتم اطهار اتريدون ان ادنسكم بالزنا؟ وكان في حجه يقول اخشى ان لا يغفر الله لمن حولي بشؤم ذنبي.
وتارة يقول: لعل الله ان يرحمني بهؤلاء الجمع المسبحين الملبين.
ثم انه دام التواصل بيننا ودامت الزيارات وكنا نقرأ في سير الصالحين والتائبين وكنا نتدبرها.
واذكر ان التائب بعد الحج قد حفظ القرآن كله وصار يصوم يوما ويفطر يوما.
وفي ذات يوم كنا مجتمعين نقرأ في سير الصالحين فمرت بنا قصه الربيع بن خثيم شاب لم يجاوز الثلاثين وسيم قوي عالم بالله خائف منه. وكان في تلك البلاد من الفساق الذين تعاونوا على افساد الناس فتجارؤا وقالوا: نريد ان نفسد الربيع بن خثيم. وتسائلوا مالذي يفسده؟ فقالوا نأتي الى غانية بغي وندفع لها مايكون سببا في ان تغوي الربيع.
فأتوا الى اجمل من عرفوا فقالوا: لك الف دينار. فقالت: على ماذا؟ فقالوا: على قبلة واحدة من الربيع بن خثيم. فقالت: لا ولكم فوق هذا ان يزني ويفعل ويفعل.
ثم انها تهيأت وتعرضت له في طريقه في مكان خال ثم سفرت عن لباسها وتعرضت له فلما رآها صرخ عليها قائلا؟ كيف بك اذا نزلت الحمى في جسدك فغير فيك ما ارى من لونك وبهجتك؟ او كيف لو نزل ملك الموت وقطع منك حبل الوريد؟ ام كيف بك اذا جائك منكر ونكير؟ فصرخت صرخة عظيمه ثم ولت هاربة واصبحت من العابدات حتى لقبت بعابدة الكوفة. ثم قال اولئك الفسقة لقد افسدها الربيع علينا. فلما سمع التائب هذه القصة انفجر باكيا.
وقال: الربيع يردها وانا بقدمي اذهب لازني بها؟ الربيع يردها وانا بقدمي اذهب لازني بها؟ ثم انصرف عني باكيا متأثرا حزينا . ثم ذهبت الى احد العالماء فذكرت ما كان من توبته ..
فقال العالم: لعل زناه هذا يكون سببا في دخوله الجنة ولعل بعض الآيات تصدق في حقه وتنص, وهي قول الله جل وعلا: " والذين لايدعون مع الله إله اخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما, يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا, إلا من تاب وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما, ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا" (الفرقان:71 )
فلما سمعت هذه الآية عجبت.
وقلت: كيف غفلت عن هذه الآية فوليت الى بيت صاحبنا في قصر ابيه الفسيح.
ذهبت اليه لأبشره.
فقالوا: إنه في المسجد. فذهبت اليه في المسجد فوجدته منكسرا تاليا للقرآن فقلت عندي لك بشرى فقال ما هي؟
فقلت له مرتلا الآية. ولما اتممت هذه الآية قفز واحتضنني.
وقال: والله اني احفظ القرآن ولكن كاني اقرأها اول مرة لقد فتحت لي باب من الرجاء عظيم فأرجوا الله ان يغفر لي بها. ثم اذا المؤذن لإقامة الصلاة وغاب الإمام ذلك اليوم. فقدم ذلك التائب, وبعد ان كبر وقرأالفاتحة تلى قول الله جل وعلا " والذين لايدعون مع الله إله اخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما, يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا, إلا من تاب وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما, ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا"
الى ان جاء يوم هو الجمعة من الايام الماضية وكان الجمعة من عطلة الربيع, اتصل بي رجل
وقال: انا والد صاحبك احمد وهو الشاب التائب اريدك في امر مهم, اريدك ان تأتي إلي مسرعا في امر مهم. فلما بلغت باب قصره اذ بالأب واقفا على الباب فسألته.
فقال: صاحبك احمد يطلب السماح يودعك الى الدار الاخرة . لقد انتقل اليوم الى ربه ثم انفجر باكيا. وانا اهون عليه وبقلبي على صاحبي مثل الذي بقلب والده عليه, ثم ادخلني في غرفة كان صاحبي فيها مسجا مغطى فكشفت وجها يتلألأ نورا, وجها قد فارق الحياة, كان كله بهجه وسرورا, رأيت محيا كله نور.
فقال لي والده: ان احمد كما تعلم يصوم يوما ويفطر يوما, حتى كان يوم الجمعة هذا فبقى في المسجد يتحرى ساعة الاجابة, وقبيل المغرب ذهبت الى ولدي فقلت: يا احمد تعال فافطر في البيت.
فقال: ياوالدي اني احس بسعادة عظيمة فدعني الأن.
فقلت: تعال لتفطر في البيت.
فقال: ارسلوا لي ما افطر عليه في المسجد.
فقلت: انت وشأنك. وبعد الصلاة قال الاب لولده: هيا الى البيت لتتناول عشائك
فقال التائب احمد لوالده: اني احس براحة عظيمة الان, واريد البقاء في المسجد ولكن بعد صلاة العشاء سآتيكم للعشاء.
يقول الاب ولما عدت من المسد احسست بشيء يخالج قلبي, فبعثت ولدي الصغير.
وقلت: اذهب الى المسجد وانظر ماذا بأخيك؟ فعاد الصغير يجري ويقول يا ابت اخي احمد لا يكلمني. فخرجت مسرعا ودخلت المسجد فوجدت ولدي احمد ممددا وهو في ساعة الاحتضار وكان يتكئ على مسند يرتاح في خلوته بربه واستغفاره وتلاوته. فأبعدت عنه المتكأ واسندته الي ونظرت اليه فإذا هو يذكر اسمك. وكأنه يوصي بالسلام عليك. ثم ان التائب احمد ابتسم ابتسامه وهو في ساعة الاحتضار, ويقول ابوه: والله ما ابتسم مثلها يوم ان جاء من سفره. ثم قرأ في تلك اللحظه فيها مرتلا " " والذين لايدعون مع الله إله اخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما, يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا, إلا من تاب وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " . وعندها فاضت روحه. ويقول الاب لا ادري أأبكي على حسن خاتمته فرحا؟ أم ابكي على فراق ولدي؟
ثم ان القصة اصبحت سببا في صلاح اسرته واخوانه.
أبشر اخي...
فإن الله يغفر الذنوب جميعا .. ويبدل السيئات حسنات .. لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى..
القصة على لسان الشيخ احمد الطويل
من شريط توبة صادقة للدكتور سعد البريك